سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
24
الإكسير في علم التفسير
يعظم حدوثه ، كقوله تعالى بصدد الزرع والحرث : لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ( الواقعة 65 ) . وقال في الماء : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ( الواقعة 70 ) ، بغير لام والفرق بينهما أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما ؛ إذ الماء العذاب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا ، فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد ، بخلاف جعل الحرث حطاما ، فإنه على خلاف العادة ، فاحتاج التوعد به إلى تأكيد . ومن هذا الباب سؤال اشتهر لكثرة دورانه بين كثير من الناس ، وتقريره : لم أكد اللّه الموت باللام ولم يؤكد الإخبار بالبعث باللام ؟ في قوله : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( المؤمنون 16 ) ، وقد كان العكس أولى وأنسب ؛ إذ البعث مختلف فيه ، وهو أحوج إلى التأكيد ، بخلاف الموت فإنه لمشاهدته وتحققه عند كل أحد مستغن عن التأكيد . والجواب عن ذلك : إن المكلفين سمعوا هذا القول من الرسول عليه السلام ، فإن كانوا يعتقدون أن الرسول عليه السلام صادق ومعصوم لم يحتج في تصديقه بالبعث إلى التأكيد باللام كأبي بكر مثلا . وإن كان لمن كذبه كأبي جهل مثلا ، فإنه لا يصدق بالبعث ، ولو أخبره وأكد له الكلام بكل أدوات التوكيد . وحينئذ لا يظهر للتأكيد أثر . وفي القرآن الكريم نوع يسمى بالاستدراج ، وهو التوصل إلى بلوغ المراد من المخاطب بالتلطف من حيث لا يشعر كقوله تعالى بلسان إبراهيم لأبيه : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ؟ يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ، يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ، يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( مريم 42 - 45 ) . فطلب منه أولا العلّة ، والدليل على استحقاق آلهته العبادة ، وضمّن ذلك الدليل على أنها لا تستحقها ، وهو كونها لا تسمع ولا تبصر ، ومن كان كذلك فهو جدير أن لا يغني عنك شيئا ، وأنت جدير ألا تعبده ، ثم ارتفع عن ذلك يسيرا فقال :